إن الجـدوى مــن الاسـتـثـمـارات الأجـنـبـيـة تـعـتـبـر مـحـورا هـامـا ، و فـيـما يلي نعرض بعض وجهات
النّـظــر فـي هـذا الـخـصـوص .
* النـظريـة الكـلاسيـكيـة *
يـفـتـرض الـكـلاسـيـك أن الاسـتـثـمـارات الأجـنـبـيـة المـبـاشـرة تـنـطـــوي علـى الكثيــر مــن المنــافع ، غـيـر أن هـذه المـنـافـع تـعـود فـي مـعـظـمـها عـلـى الـشـركـات مـتـعـددة الجـنـسـيـات .
و الاسـتـثـمـارات الأجـنـبـيـة مـن وجـهـة نـظـرهـم هـي بـمـثـابـة مـبـاراة من طرف واحد حيث أن الفائز
بنتيجتها الشركات متعددة الجنسيات وليست الدول المضيفة .
وتـستـنـد وجـهــة نـظـر الكـلاســيـك فـي هـذا الشـأن إلـى عـدد مـن المـبـررات يـمكن تلخيصها فيما يلي :
- ١ - صغر حجم رؤوس الأموال الأجنبية المتدفقة إلى الدول المضيفة بدرجة لا تبرز فتح البــاب لـهـــذا النوع من الاستثمارات .
- ٢ - تميل الشركات متعددة الجنسيات إلى تحويل أكبر قدر ممكن من الأرباح المتولـــدة من عـمـليـاتــها إلى الدولة الأم بدلا من إعادة استثمارها في الدول المضيفة .
- ٣ - قيام الشركات متعددة الجنسيات بنقل التكنولوجيا التي لا تـتـواءم مستويــاتــــها مـــع مـتـطـلـبـــات التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية بالدول المضيفة .
- ٤ - إن ما تنتجه الشركات متعددة الجنسيات قد يؤدي إلى خلق أنماط جـديــدة للاسـتـــهـلاك فــي الدول المضيفة لا تتلاءم ومتطلبات التنمية الشاملة في هذه الدول .
- ٥ - قد يترتب على وجود الشركات متعددة الجنسيات اتساع الفجوة بين أفراد المجتمــــع في ما يختص بهيكل توزيع الدخول ، و ذلك من خلال ما تقدمه من أجور مرتفعة للعــاملين فيها بالمقارنة بنظائرها مــن الشركات الوطنية ويترتب على هذا خلق الطبقية الاجتماعية .
- ٦ - إن وجود الشركات الأجنبية قد يؤثر بصورة مباشرة على سيادة الدولـــة المضيفـــة واستقلالــــــها من خلال :
· اعتماد التقدم التكنولوجي ففي الدول المضيفة على دولة أجنبية .
· خلق التبعية الاقتصادية أو الاعتماد على الدولة الأم للشركات الأجنبية .
· قد تمارس الشركات متعددة الجنسيات الكثير من الضغوط على الأحزاب السيــاسـيـة فـي الـدول المضيفة و هذا ما يخلق التبعية السياسية .
* النظرية الحديثة *
تقوم هذه النظرية على افتراض أساسي مؤداه أن كلا من طرفي الاستثمار أي الشركات متعددة الجنسيات و الدولة المضيفة يربطهم علاقة المصلحة المشتركة . فكل منهما يعتمد أو يستفيد من الآخر لتحقيق هــدف أو مـجـمـوعــة مـن الأهـداف المـحـددة . و بـمعنى آخر أنــــه لا يوجد مباراة من طرف واحد كما افترض الكلاسيك . ولـكـنـهـا مـبـاراة ذات طـابـع خــاص يـحـصـل كـل طـرف فـيـهـا عـلى الـكـثـيـر من العوائد . غير أن حــجم وعــدد ونــوع العوائد التـي يتحصل عليها كل طرف تتوقف إلى حد كبير عــلــى سـيـاسات واستراتيجيات و مـمـارســات الطرف الآخر بشأن الاستثمار الذي يمثل أساس وجوهـر العلاقـة بـيـنهما .
ويرى أصحاب هذه النظرية أن الاستثمــار الأجنبــي المبــاشر فــي الــدول المضيفة يســاعد في تحقيــــق الآتي :
- ١ - الاستغلال و الاستفادة من الموارد المادية و البشرية المحلية المتاحة و المتوفرة لدى هذه الدول .
- ٢ - المساهمة فيخلق علاقات اقتصادية بين قطاعات الإنتاج و الخدمــات داخــل الدولـــة المـعـنـية مما يساعد في تحقيق التكامل الاقتصادي بها .
- ٣ - خلق أسواق جديدة للتصدير و بالتّالي خلق و تنمية علاقات اقتصادية بدول أخرى أجنبية .
- ٤ - تقليل الواردات .
- ٥ - تحسين ميزان المدفوعات للدول المضيفة .
- ٦ - تدفق رؤوس الأموال الأجنبية .
- ٧ - المساهمة في تدريب القوى العاملة المحليّة .
- ٨ - نقل التقنيات التكنولوجية في مجالات الإنتاج و التسويق و ممارسة الأنشطة و الوظائف الإداريـة و غيرها .
- ٩ - أنّ تحقيق التقدم الاقتصادي و السياسي و الاجتماعي في الدول المضيفة يتوقف إلى حد كـبـير على المنافع السابقة .
وجدير بالذكر أن وجهة نظر رواد النظرية الحديثة يـؤيـدهـا الـكـثـيـر مـن الأدلـة و البـراهـيـن الـعـمـلـية .
فمن ناحية نجد أن حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتدفقة إلى الدول النامية ( من دول المـجـمـوعــة الأوروبية وحدها ) بلغ حتّى عام 1981 حوالي 14640 بليون دولار .
ومن ناحية أخرى ، فان تنافس الدول النامية لجذب الاستثمارات الأجنبية إلى أراضيـهـا أصـبـح حـقـيـقــة يفرضها واقع ما تقدمه هذه الدول من ضمانات متعددة و امتيازات و تسهيلات مختلفة للشركات الأجـنـبـية و متعددة القوميات .
صحيح يجب الاعتراف بوجود تعارض أو عدم تطابق بين أهداف الشركات متعددة الجنسيــات و الـــدول المضيفة و لكن الجدل حول عدم جدوى العلاقة بين هذين الطرفين قد يجانبه الـكـثـيـر مـن أوجـه الصواب و الموضوعية .
وفـي هـذا الشـأن يـشـيـر كـل مـن زيـنـوف و نـيـجـاندي و باليجا Zenoff et Negandhi et Baliga
إلى الأتي :
- ١ - إن الــدول المـضـيفـة لـكـي تـحـقـق أكـبـر قـدر مـمـكـن مـن المـنافع أو لكي تعظم عوائدها ، فإنها
تحاول فرض شروط معينة على الشركات متعددة الجنسيات لكي تزيد من فرص التوظيف ، و المســاهمة في تنمية الموارد البشرية ، و القيام بسلسلة من البحوث و التطوير في مجالات البيع و الإنتاج ، و تشجيــع المشاركة الوطنية في الاستثمار ، و تنمية الــموارد المــحليــــــة و استغلالها ، و تحسين المنتجات وزيادة الصادرات ، والحد من الواردات .
- ٢ - في نفس الوقت نجد أن الشركات متعددة الجنسيات تطلب من الدول المضيفة الحد مـن الإجراءات البيروقراطية ، و توفير كافة الخدمات المرتبطة بالبنية الأساسية ، و تحسين الشـروط و القـوانـين الخاصّة بالعمل ، و تخفيض الرقابة على النشاط التسويقي و الإنتاجي و غيرها من الأنشطة . هذا بـالإضـافـة إلــى السماح بالتملك المطلق لمشروعات الاستثمار .
وإذا نظرنا الى المتطلبات أو الشروط السابقة باعتبارها أنماطا مختلفة لتوقعات كل طرف من الآخر ، فان ضيق أو اتساع فجوة عدم تطابق توقعات الدولة المضيفة و الشركات مـتـعـددة الجـنـسـيـات يتوقف الى حد كبير ليس فقط على نوع و طبيعة أهداف كل طرف ولكن أيضا على درجة الفهم المتبادل لطبيعة المصلحة المشتركة بينهما.